ابن خلكان

91

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

يوصّل حبليه إذا جن ليله * ليرقى إلى جاراته بالسلالم تدليت تزني من ثمانين قامة * وقصّرت عن باع العلا والمكارم هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا * مداخل رجس بالخبيثات عالم لقد كان إخراج الفرزدق عنكم * طهورا لما بين المصلّى ووأقم فلما وقف الفرزدق على هذه القصيدة جاوبه بقصيدة طويلة يقول في جملتها : وإن حراما أن أسب مقاعسا « 1 » * بآبائي الشمّ الكرام الخضارم ولكنّ نصفا لو سببت وسبّني * بنو عبد شمس من مناف وهاشم أولئك أمثالي فجئني بمثلهم * وأعبد أن أهجو كليبا بدارم « 2 » ولمّا سمع أهل المدينة أبيات الفرزدق المذكورة أولا ، اجتمعوا وجاءوا إلى مروان بن الحكم الأموي ، وكان يومئذ والي المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان الأموي ، فقالوا له : ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أوجب على نفسه الحد ، فقال مروان : لست أحدهّ أنا ، ولكن أكتب إلى من يحده ، ثم أمره بالخروج من المدينة وأجله ثلاثة أيام ، وفي ذلك يقول الفرزدق : توعدني وأجلني ثلاثا * كما وعدت لمهلكها ثمود ثم كتب مروان إلى عامله يأمره فيه أن يحده ويسجنه ، وأوهمه أنّه قد كتب له بجائزة ، ثم ندم مروان على ما فعل ، فوجه عنه سفيرا وقال : إني قلت شعرا فاسمعه ، ثم أنشده « 3 » : قل للفرزدق والسفاهة كاسمها * إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس

--> ( 1 ) ر : مقاصعا ؛ ق ن ص والمختار : مقاعصا ؛ ومقاعس : هو الحارث بن عمر بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . ( 2 ) أعبد : آنف . ( 3 ) انظر معجم البلدان : ( الجلس ) وديوان الفرزدق 1 : 384 .